إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية
دعم السعودية للعراق خلال الحرب منع انتشار الثورة الإسلامية ,زاد من تدهور العلاقات السعودية الإيرانية ، وكانت الرياض قد دعمت العراق ماليا بقرض قدره أربعين مليار دولار لتعزيز جيشه ، هذا الخيار يمثل نواة للنظام الثلاثي فى المنطقة كتحالف استراتيجي سمح للمملكة العربية السعودية بأن تحيط بالعراق لتحتوي إيران ، علاوة على ذلك مع اشتداد الحرب مارست المملكة العربية السعودية ضغوطا اقتصادية إضافية ضد إيران ، في الواقع ردا على الهجوم الإيراني على ميناء الفاو العراقي ، غمرت السعوديون أسواق النفط الدولية خلال عامي 1985 و 1986م ولقد أدت هذه السياسة لمزيدا من الضرر بالاقتصاد الإيراني وقلصت الإيرادات في فترة الإنفاق الدفاعي المكثف .
وصلت العلاقة بين المملكة العربية السعودية وإيران إلى طريق مسدود في عام 1987 عندما احتج بعض الحجاج الإيرانيين ضد عائلة آل سعود ، تسببت الاشتباكات في مقتل المئات من الجانبين ، واتهم البلدان بعضهما البعض بالحادث ، تلاها قرار إيران بمقاطعة الحجاج للحج فى مكة المكرمة في المملكة العربية السعودية في السنوات التالية ، في نهاية المطاف في عام 1988م قطعت الدولتان العلاقات الدبلوماسية .
ومع ذلك فإن الغزو العراقي للكويت في عام 1990م قد أحدث تغييرات كبيرة في المنطقة ومرة أخرى تغيرات فى التحالفات الثلاثية فى الخليج ، أن غزو الكويت جعل العراق تهديدا مشتركا مما أجبر إيران على التخفيف من موقفها تجاه المملكة العربية السعودية لتوحيد صفوفها ضد سعي صدام حسين للهيمنة على المنطقة ،
أن موت الخميني وصعود علي أكبر هاشمي رفسنجاني في عام 1989م كرئيس إيراني جديد لعب دورا مهما في تغيير السياسة الخارجية الإيرانية في الشرق الأوسط بجعلها أكثر براغماتية ، في الواقع في عهد رفسنجاني تخلت إيران عن هدفها المتمثل في تغيير حكومات دول الخليج وسعت بدلا من ذلك إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية مع جيرانها العرب ، كان لإيران الهدف الاستراتيجي المتمثل في حثهم على التخلي عن التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة وتشكيل تحالف بديل للأمن الإقليمي .
سعيا لتطبيع العلاقات مع الدول المجاورة نظر رفسنجاني الي أهمية العلاقات مع المملكة العربية السعودية من حيث عائدات النفط ، في منتصف التسعينيات انخفض سعر النفط إلى أقل من 10 دولارات للبرميل مما ألحق الضرر بكل من السعودية وإيران ، عملت الخصمان على التغلب على خلافاتهما لتحسين علاقاتهما من أجل سياسة أفضل لإدارة حصص النفط الخام والإنتاج داخل أوبك ، مما أدى هذا التعاون إلى ارتفاع أسعار النفط بعد عام 1999م .
من المثير للدهشة أن تغيير القيادة والمصالح الاقتصادية المشتركة قد ساهم في تهدئة العداوة بين البلدين ، وبعد تعيينه محمد خاتمي في منصب رئيس إيران في عام 1997م ، استضافت إيران الاجتماع السنوي لمنظمة المؤتمر الإسلامي وهو مؤشر على المصالحة بين إيران وجيرانها الخليجيين ، وكان الانتعاش في العلاقات يرجع أيضا إلى تنامي قوة ولي العهد الأمير عبد الله الذي كان يدير السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية منذ عام 1995م وسعى إلى تعزيز علاقات المملكة مع إيران ، تمت استعادة الزيارات المتبادلة عندما قام الرئيس الإيراني السابق رفسنجاني بزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية في عام 1998 ؛ أول مرة منذ ثورة 1979م .
شهدت التسعينيات مرحلة التقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران بسبب التغير في أهداف السياسة الخارجية والاقتصادية الإيرانية وأن المملكة السعودية شعرت بأنها أقل تهديدا من قبل الجمهورية الإسلامية ، ومع ذلك استمرت الأسس الأيديولوجية المختلفة والمنافسة السياسية والاقتصادية ، وسرعان ما دفعت الأحداث المتغيرة في المنطقة العلاقة بين المملكة العربية السعودية وإيران إلى الحدة مرة أخرى .
حتى نهاية التسعينيات وأوائل الألفية الثانية كان التنافس بين المملكة العربية السعودية وإيران صامتا ، أن إيران لديها إمكانيات محدودة لتحدي النظام السياسي السعودي وأنها كانت تركز بشكل كبير على التهديد العراقي الوشيك من صدام حسين ، وأن المملكة العربية السعودية كانت راضية عن "السياسة الغربية المتمثلة في الاحتواء المزدوج للعراق وإيران" ، تم طرد القوات العراقية من الكويت والعقوبات ومنطقة حظر الطيران والقصف الأمريكي والبريطاني على العراق قد قض بالكامل على تهديد صدام للمنطقة .
ومع ذلك فإن قرار الولايات المتحدة بغزو العراق في عام 2003م للإطاحة بصدام حسين وحكومته كان خبرا سيئا على المملكة العربية السعودية لأنها أزالت أحد العناصر الرئيسية في المنطقة ومهدت الطريق أمام إيران لتحدي النظام القائم ، وأدى ذلك إلى تفكك النظام الثلاثي للطاقة ، الذي تتوازن فيه القوى الخليجية الثلاث الكبرى إيران والسعودية والعراق ، وفي الواقع تم استبدال الهيكل السابق (ثلاثي القطب) ، بهيكل ثنائي القطب وضع إيران والسعودية مباشرة ضد بعضهما البعض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق