30‏/10‏/2019

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الثامن)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

النهج الإيراني تجاه كل جار مختلف ، ويتميز حسب العوامل السياسية والاقتصادية والجغرافية والتاريخية المختلفة بغض النظر عن الاختلافات الطائفية ، حافظت قطر على سبيل المثال تاريخيا على علاقات جيدة مع إيران التي تشترك معها في السيطرة على أكبر حقل للغاز في العالم ، كما عمان وهو أمر ذو أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لإيران وتعتبر أيضا واحدة من دول الخليج الأقرب إلى طهران. ، وفي الواقع 40٪ من إمدادات النفط في العالم تمر يوميا عبر مضيق هرمز بالإضافة إلى ذلك توجد قنوات المياه العميقة الرئيسية والطرق البحرية هي في المياه العمانية ، علاوة على ذلك يمثل ساحل عمان البالغ طوله 200 ميل محورا تجاريا رئيسيا لكل من شمال الخليج العربى ومناطق المحيط الهندي .

واجهت السياسة الخارجية الإيرانية قيود الشرق الأوسط ، حيث لا يشكل الفرس ولا الشيعة الأغلبية سواء كانت قبل أو بعد الثورة الإيرانية ، سعت إيران عموما إلى إقامة تحالفات استراتيجية غير طائفية بشكل عام ، ومع ذلك فمنذ ميلاد الجمهورية الإسلامية قوبلت بتشديد سياسة الاحتواء من قبل الغرب والخليج ، كان لإيران عدد صغير من الشركاء للاختيار وبدلا من تبني سياسة شيعية حصرية حاولت إيران بناء شراكات مع الدول والجهات الفاعلة الغير حكومية التي تشاركها في استياءها من النظام الإقليمي وتصور وجود تهديد للأمن الداخلي ، من خلال هذا النهج وجدت إيران نفسها أقرب إلى حماس السنية وحزب الله الشيعي ونظام الأسد العلماني ، لكن مع ازدياد انقسام التوترات والصراعات على أسس طائفية وجدت إيران نفسها مقيدة بشكل متزايد في قدرتها على بناء علاقات مع الجماعات الغير شيعية .

ومع ذلك فإن العلامة التجارية الشيعية الإيرانية ستكون باستمرار ورقة خاسرة في نضالها من أجل القيادة الدينية في العالم الإسلامي الذي هو 90 ٪ من السنة ، والشيعة أنفسهم ليسوا موحدين كما يبدو ، بالنسبة لمعظمهم تعتمد هويتهم ومصالحهم على أصلهم العرقي أكثر من طائفتهم الدينية ، الشيعة العراقيون على سبيل المثال اختاروا مصالحهم الوطنية خلال الحرب العراقية الإيرانية وكانوا مستعدين لقتل إخوانهم الشيعة في إيران والعكس بالعكس ، وبالمثل اشتبكت جماعات مسلحة شيعية في لبنان مثل أمل التى اشتبكت مع حزب الله خلال الحرب الأهلية في البلاد وسميت الإشتباكات العنيفة بينهم بأسم حرب الإخوة ، وبنفس الطريقة حارب الحوثي الشيعى الزيدي في اليمن حكومة علي عبد الله صالح الشيعية الزيدية وسميت الحرب بينهم بأسم نزاع صعدة ، حاربوا بعضهم البعض عدة مرات بين 2004 و 2010 ، ثم في عام 2014م استولوا على العاصمة صنعاء بدعم من الرئيس المخلوع على عبد الله صالح .

الطائفة السنية ايضا بها انقسامات كبيرة وصراع على السلطة بين المسلمين السنة سواء كانت حكومة علمانية أو دينية ، السعوديون والإخوان المسلمين وتركيا والجماعات السنية الإقليمية تخوض صراعا حول الدور السياسي للإسلام في العالم السني ، هناك أيضا  داخل نفس المعسكر السلفى هناك انقسامات خطيرة .

وأصبحت العراق نقطة صراع اخرى سعودية ايرانية ، اخترقت إيران الحكومة المنشأة حديثا للحفاظ على تحالف قوي موال لإيران وقادر على تقديم دعم واسع لأهداف طهران في المنطقة ، ومن خلال هذه العملية تحاول إيران مواجهة تأثير المنافسين الآخرين في البلاد بما في ذلك المملكة العربية السعودية ، والتي بدورها تدعم الجماعات السنية في جميع أنحاء العراق وهكذا أصبحت بغداد نقطة استراتيجية لإيران في المنطقة ونقطة صراع لمواجهة النفوذ السعودي .


وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء التاسع

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء السابع)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

كما أنه من المثير للاهتمام التركيز على التحالفات المعارضة لإيران والمملكة العربية السعودية ، خلال الحرب الباردة كانت معظم الدول تنتمي إلى الكتلة الغربية أو الكتلة الشرقية ، ووفقا لمبادئ الخميني حاولت إيران تجنب بناء سياسة خارجية تميل نحو أحد الكتل لكن هذا لم يكن ممكنا وبفضل علاقات إيران الجيدة مع المعسكر الشرقي خاصة مع روسيا ونظام الاتحاد السوفيتي القديم والصين ، لا يزال هذان البلدان حليفين رئيسيين لإيران على الرغم من حقيقة أن طهران عضو في حركة عدم الانحياز ولديها أجندة سياسية خاصة بها ، تخدم هذه التحالفات إيران في مواجهة النفوذ الغربي المتزايد في منطقة المغرب العربي ومواصلة برنامجها النووي .

روسيا عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وعضو بمجموعة 5+1 ، دعمت خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني ، روسيا أيضا حليف استراتيجي في صراع إيران لإبقاء الأسد في السلطة ، كانت روسيا المورد الرئيسي للأسلحة التقليدية وتكنولوجيا الصواريخ لإيران ، و قدمت أيضا الوقود للمفاعل النووي للاستخدام المدني في بوشهر وهو مشروع تحصل منه روسيا على عائدات كبيرة ، في يناير عام 2015م وقع الحليفان مذكرة تفاهم حول التعاون في مجال الدفاع والتي تضمنت مناورات عسكرية .

ساعدت العقوبات التي فرضت على روسيا في عام 2014م على تعزيز التوافق بين البلدين حيث يعتبر كلاهما أهدافا للعقوبات الغربية ، واتهم الاثنان الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بالتآمر ضدهما واستخدام خفض أسعار النفط العالمية للضغط على اقتصادهما ، وأن مجلس التعاونالخليجى اختار التحالف مع المعسكر الغربي ، وبعد الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج لعبت الولايات المتحدة دور حامي دول الخليج ، ومنذ ذلك الحين دخلت كل دولة من دول الخليج في اتفاقيات عسكرية وأمنية ثنائية مع الولايات المتحدة ، أن لدى إيران 1100 ميل من الخط الساحلي على الخليج العربى وخليج عُمان ، تستضيف ممالك الخليج عددا كبيرا من القوات الأمريكية في منشآتها العسكرية ونشترى معدات عسكرية من الولايات المتحدة بما في ذلك تكنولوجيا الدفاع الصاروخي ، التى سوف تكون الهياكل الأساسي لأي عمليات جوية أمريكية ضد إيران في حالة نشوب أى نزاع إقليمي .

من خلال مساعداتها للسعودية يمكن اعتبار الولايات المتحدة دولة مجاورة لإيران تشرف على الشؤون الداخلية والخارجية في المنطقة بما في ذلك علاقات إيران مع جيرانها ، هذا الوجود العسكري الأجنبي بجانب الحدود الإيرانية يشكل تهديدًا وجوديًا لطهران  يشير القادة الإيرانيون إلى أن الحجم الكبير للوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي يعرضهم لهجوم محتمل في حالة وجود أخطاء في الحسابات العسكرية أو سوء تفسير للسياسات الإيرانية في المنطقة ، كان الهدف الرئيسي لإيران هو إقناع دول الخليج بالتخلي عن اعتمادها على القوى الخارجية وإبرام اتفاقيات أمنية جماعية ، ومع ذلك رفضت دول الخليج التعاون الجماعي تحت القيادة الإيرانية واقتربت من المعسكر الغربي .

قبل الربيع العربي كان هناك محورين أحدهما ضد الآخر ، معسكر موال للولايات المتحدة بقيادة المملكة العربية السعودية بما في ذلك الملكية المحافظة للملك عبد الله الثاني ملك الأردن ونظام حسني مبارك في مصر هذا من ناحية ، من ناحية أخرى المحور المعادي للولايات المتحدة قادته إيران وشمل سوريا وحزب الله اللبناني وحركة حماس والحكومة العراقية المشكلة حديثًا ، ومع ذلك فإن الانفجار المفاجئ للربيع العربي في أوائل عام 2011م أدى إلى تشويش وتعطيل المحور المناهض لإيران ، أعطى سقوط مبارك السلطة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر والتي سرعان ما حسنت العلاقات مع إيران على حساب المملكة العربية السعودية ، لأول مرة منذ ثورة 1979 كانت السفن الإيرانية قد عبرت قناة السويس في طريقها إلى الموانئ السورية ، ومع ذلك فإن هذا النهج لم يدم طويلاً  حالما تم الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين . وبالمثل اهتز الحلفاء السوريين والإيرانيين من الأحداث الأخيرة مما جعل من الصعب على طهران ضمان بقاء "محور المقاومة" .

مع تحول البيئة السياسية الإقليمية شهدت إيران الحاجة إلى المصالحة مع جيرانها العرب لحماية هيمنتها ، كانت إيران تدرك أنها لن تحصل على قيادة العالم الإسلامي أبدًا إذا لم تستطع ضمان أمن منطقة الشرق الأوسط ، كما سعت طهران إلى توسيع نفوذها السياسي من خلال إقامة علاقات مع كل جيرانها في الخليج ، في الغالب سعت ايران لتنفيذ الإيماءات الدبلوماسية والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والتعاون العسكري وفي كثير من الأحيان استخدمت سلطتها الدينية الشيعية للوصول إلى الأقليات الشيعية فى الدول العربية

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الثامن

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء السادس)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

في الواقع ، مع استمرار توازن القوى في التغيير لصالح إيران ،كانت السياسة الخارجية السعودية مدفوعة بشكل متزايد بإحساس  بأن انهيارها وشيك ، وفي عام 2015 بلغت واردات الدفاع الرقم 6.5 مليار دولار .

ومن جانبها التزمت إيران بتوسيع قوتها العسكرية التقليدية إى أنه في وقت قصير سيكون لدى طهران قوات جوية وبرية مناسبة للعمل خارج حدودها ، ومع ذلك لا تستطيع إيران تحقيق الهيمنة الجوية أو توزيع تشكيلات قتالية كبيرة في الخارج . 

كانت الصواريخ الباليستية جوهر الاستراتيجيته العسكرية الأيرانية للتعويض عن هذا ضعف الهيمنة الخارجية ، على الرغم من أن الصواريخ ليس لديها رؤوس حربية دقيقة ولا يمكن توجيهها لتدمير أهداف العدو ، لذلك يتم استخدام هذه الصواريخ كرادع ضد دول الخليج وإسرائيل ومن ناحية أخرى تحسنت قدرات الدفاع الصاروخي لدول الخليج بمساعدة الولايات المتحدة لكن فعاليتها ضد أي هجوم إيراني ما زال غير مضمون على الرغم من أن معظم دول الخليج قد طورت دفاعًا جويًا وبحريًا بشكل أفضل ، إلا أن إيران تدرك اعتماد السعودية الكامل على دعم الولايات المتحدة للمخابرات والاستطلاع والاتصالات والخدمات اللوجستية والتدريب على القيادة لأي عملية عسكرية في المستقبل . 

أن إيران تواصل توسيع قدراتها لزيادة تكلفة أي عمل عسكري في المستقبل لدول الخليج العربي وتلاحظ أيضًا أن إيران تواصل الاستثمار في القوارب الصغيرة المسلحة وصواريخ كروز الدفاعية والغواصات والمركبات الجوية بدون طيار وغيرها من الأنظمة التي يمكن أن تتحدى قدرات دول الخليج والولايات المتحدة على ممارسة السلطة في الخليج العربى .

وبالمثل فإن الحظر الأخير على الملاحة الدولية فى مضيق هرمز في أبريل ومايو 2015م يدل على أن إيران تسعى لتذكير العالم بقدراتها على السيطرة على الإطار الإقليمي ، وتحديث قواتها الصاروخية والدفاع الجوي والبحرية والبرية في العقود القادمة قد يجعلها قوة عسكرية حقيقية قادرة على تحدي دول الخليج مباشرة بالإضافة إلى قوتها العسكرية امتطورة فإن الأراضي الإيرانية والسكان أكبر بكثير من أي دولة عربية أخرى في الخليج في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا هما أكثر تقدما وتنوعا ، هذه الحقائق تثير مخاوف السعوديين فيما يتعلق بضعفهم أمام القوة المتنامية لجيرانهم .

إن اتفاق فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني قد زاد من حدة التنافس الاستراتيجي بين آية الله وآل سعود ، سوف يتلقى الإيرانيون استثمارات من أوروبا والدول الناشئة بما في ذلك الصين ، تخشى العائلة المالكة السعودية من أن إطلاق الموارد الاقتصادية يجعل طهران عملاقاً إقليمياً يمكنه متابعة كل أزمة لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية ، إيران لديها بالفعل قيادة متنامية في الشرق الأوسط على الرغم من الأضرار الناجمة من العقوبات الاقتصادية ، تكمن قوتها الحقيقية في الداخل لأنها الدولة الإسلامية الأكثر استقرارًا في الشرق الأوسط ، إيران موجودة داخل حدودها الحالية منذ آلاف السنين وتمكنت من السيطرة على الأقليات ، حتى لو كان يحكمها رجال الدين فإن لدى إيران آليات انتخابية ديمقراطية منذ ثورة 1979م على عكس المملكة العربية السعودية ، أن الزعماء الإيرانيين لا يهتمون بثورة إسلامية محتملة لأنهم قد جربوها بالفعل .

 أن علي خامنئي تقسم السلطة بين النخب المختلفة مثل فيلق الحرس الثوري وجيش جمهورية إيران الإسلامية وأجهزة المخابرات ، والباسيج يوجد بين هذه المجموعات صراع على السلطة وعلى عوائد النفط ، تسعى كل مجموعة للحفاظ على النظام السائد في البلد، جنبا إلى جنب مع زعيمهم علي خامنئي وهو مثل السفينة إذا تحطمت قطعة تغرق السفينة بأكملها ، لهذا السبب تخضع كل النخب المختلفة للحفاظ على النظام السياسي الحالي والوحدة الداخلية لأيران .

من أجل حماية نظام الدولة تطبق إيران عمومًا قوة ناعمة ، تحاول نشر نفوذها من خلال العلاقات مع رجال الدين الشيعة في المنطقة وتمويل القضايا الإنسانية والسياسية وشراء الأسلحة وتدريب المتشددين وتشجيع التجارة والنشاط الدبلوماسي والتأثير الثقافي ، ومع ذلك يبدو أن إيران لا يزال أمامها طريق طويل للنجاح في تقديم نفسها كزعيم للعالم الإسلامي .

هدف المملكة العربية السعودية هو التأكد من عدم حصول إيران على هذه القيادة أصبح هدفا رئيسيا للحد من النفوذ ، اختارت الرياض إعادة التوازن إلى النفوذ الإيراني من خلال استراتيجية مختلفة بعض الشيء بدلاً من الاستراتيجية الصريحة ، حاليًا اختارت دول الخليج سياسة دفاعية إستراتيجية وهجوم تكتيكي ، لمنع إيران من خلال تنفيذ حرب التحالف فى اليمن التي تستخدم القوات الجوية لدعم القوات البرية ، هذه المنافسة التي لا تنتهي بين المملكة العربية السعودية وإيران على القوة والنفوذ الإقليميين تزيد من تأجيج منطقة الشرق الأوسط .


وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء السابع

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الخامس)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

أن الوضع السياسي للمجتمعات الشيعية في دول الخليج والدول العربية كان ولا يزال مصدرا كبيرا للاحتكاك الذي يحتاج إلى فهم استراتيجي خاص ، كانت الأقلية الشيعية في المملكة العربية السعودية دائما تتعرض للتمييز من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية لأنها رفضت الحكومة السعودية ، من المهم الإشارة إلى أن معظم الأقليات الشيعية تعيش في المقاطعة الشرقية للمملكة العربية السعودية ، حيث توجد مصافي النفط الرئيسية وحقول النفط في البلاد ، وبدافع الخوف كانت سياسة المملكة العربية السعودية تجاه الأقلية الشيعية مدفوعة بهاجس ينص على أن الشيعة الوطنيين هم طائفيون موالون لإيران وليس بسبب التوجهات السياسية الحالية .

أدت هذه السياسات إلى موجة ثانية من المظاهرات ضد الملكية السعودية في يوليو عام 2012م مع شعارات مثل "يسقط سعود" و "الموت الى آل سعود"، وما زاد الطين بلة رد الحكومة السعودية باعتقال باقر النمر وهو باحث ديني وزعيم شعبي للمعارضة الشيعية المناهضة للملكية والذي انتقد باستمرار الحكومة السعودية ودعا إلى الإصلاح السياسي ، وكالعادة اتهم آل سعود إيران بدفع الاحتجاجات لزعزعة الأمن الداخلي للمملكة العربية السعودية ، وقاد مفهوم التهديدات الوطنية والإقليمية ، السياسة السعودية خلال الربيع العربي وكانت لها عواقب وطنية حاسمة وقادت الحكومة إلى رفض مطالب المعارضة الشيعية بشدة .

كانت المملكة العربية السعودية حساسة جدا ضد الأحتجاجات الشيعية فى البلاد المجاورة كاليمن حيث دعمت إيران الاحتجاجات الحوثية ، وقد رأت المملكة العربية السعودية أنه من الضروري قمع أي محاولة لنشر الثورة في المناطق الحدودية ، بالنسبة لإيران لم يكن اليمن نقطة محورية في السياسة الأمنية ولكن كان ينظر إلى عدم استقرار أفقر بلد في العالم العربي على أنه فرصة لاكتساب قوة إضافية ضد الجزيرة العربية .

باختصار في بداية الربيع العربي كان لدى إيران خط رابح في حين اختار السعوديون خط دفاعي ، خاصة عندما بدا أن سقوط مبارك كان نكسة أخرى لجهودهم احتواء النفوذ الايراني ، ومع ذلك من خلال إضعاف النظام السوري كانت السعودية تأمل في كسر محور المقاومة الذي تشكله سوريا ولبنان وإيران ، كانت الفوضى الناتجة عن الربيع العربي هي الفرصة الوحيدة للسعوديين للحد من النفوذ الإيراني ، لقد أصبحت سوريا في غاية الأهمية بالنسبة للمملكة العربية السعودية ، حيث بدأت في عام 2012 بدعم الانتفاضة ، لذلك فإن الطريقة التي سوف تنتهي بها الأزمة السورية ستحدد من فاز في هذه الجولة ، والذى يطلق عليها غزوة النفوذ .

عزز العداء بين إيران والسعودية عدم التوازن المتزايد للسلطة في المنطقة ، في الحقيقة منذ سقوط صدام عام 2003م تحطم التوازن الإقليمي ، وأقامت الحكومة الجديدة في العراق روابط وعلاقات مباشرة مع إيران على حساب المصالح السعودية في البلاد ، واعتبرت الرياض أن سقوط الجدار العراقي سيوفر لإيران فرصة لخلق ما يسمى "محور المقاومة" في بلاد الشام ، لذلك كان لإيران فرصة كبيرة للوصول الكامل إلى حلفائها في سوريا حيث عملت طهران على إبقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة خلال الحرب الأهلية ، وتمتد إلى لبنان حيث تتمتع إيران حليفه حزب الله بقاعدة قوية ، وينتشر بالمثل نفوذها في اليمن حيث يواصل المتمردون الحوثيون القتال من أجل السيطرة على السياسة اليمنية .

بالنظر إلى خريطة الشرق الأوسط فإن تضخيم النفوذ الإيراني في السنوات الأخيرة أصبح جلى للعيان ، هذه التدخلات المستمرة في النزاعات الإقليمية قد أعطت المملكة العربية السعودية أسبابا جدية للقلق.

أدى التوسع الإيراني إلى تطويق المملكة العربية السعودية في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة تفقد اهتمامها بالشرق الأوسط للتركيز على شرق آسيا كواجب استراتيجي جديد ، علاوة على ذلك فإن الربيع العربي كان يعني أن السعوديين أدركوا أن التخويف الإيراني لم يكن خارجيا فحسب بل كان أيضا تهديدا وجوديا داخليا ، ولهذا رأت العائلة المالكة فى السعودية ضرورة ان تكون سباقة في الأمور المتعلقة بأمنها ،  لقد حاول آل سعود إعادة التوازن إلى السلطة في المنطقة من أجل تجنب الهيمنة الإيرانية التي من شأنها أيضا تعزيز المعارضة الداخلية ، فكان التدخل العسكري السعودي في البحرين لسحق الاحتجاجات ضد النظام الملكي دليلا على عقلانية السعودية في اتخاذ التدابير اللازمة لمنع سقوط البحرين .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء السادس

29‏/10‏/2019

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الرابع)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

علاوة على ذلك فإن إزالة صدام دمرت التوازن الوطني العراقي وبالتالي خلق قاعدة جديدة من المنافسة بين المملكة العربية السعودية وإيران ، وانتهزت إيران الفرصة لتعزيز الجماعات المسلحة الشيعية الموالية لإيران في العراق ، والتي تسعى إلى استبدال صدام بنظام شيعي صديق ، كان سقوط النظام البعثي مفيدا لطهران في توطيد علاقتها بـالديمقراطية المشكلة حديثا حيث 65٪ من السكان العراقيون شيعيون ، لعب الشيعة العراقيون إلى جانب الأكراد وهم أقلية بعثية مضطهدة منذ زمن طويل دورا رئيسيا في السياسة العراقية بمساعدة إيرانية . 

ولهذا السبب بالتحديد أصبحت المملكة العربية السعودية تشعر بقلق متزايد إزاء النفوذ المتزايد لإيران وحلفائها الشيعة في العالم العربي ، وبعد انتخاب الحكومة الشيعية في عام 2006م ونتيجة لذلك تم إستقبال رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري ونوري المالكي ببرود من قبل جامعة الدول العربية ولم تعد العلاقات بين العراق والدول العربية إلى مستوى ما قبل عام 2003م .

وقد لخصت مخاوف السعوديين في سبتمبر عام 2005م  عندما قال وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل أن الولايات المتحدة قامت بتسليم العراق لإيران من دون سبب ، لذلك غيرت المملكة العربية السعودية هدفها الرئيسي وقامت بالتدخل في النزاعات الإقليمية في لبنان وفلسطين واليمن لمنع المد الشيعي ، وأصبح الدافع الرئيسي للعلاقة السعودية الإيرانية هو صراع لتشكيل توازن القوى الإقليمي

أن الانقسام السني - الشيعي يكتسب أهمية عندما يتعلق الأمر بالقيادة ويتم تشجيعه أو التقليل من قيمته كوسيط في لعبة جيوسياسية أكبر ، لكن الاختلافات الطائفية لم تكن السبب الرئيسي لتدهور العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران بل الأحداث التاريخية هي التي عدلت علاقاتهم .

في عام 2011م ضربت موجة من الاحتجاجات الشعبية المنطقة المغربية التي دعت إلى طرد الطغاة القابعين فى السلطة لفترات طويلة ،أدى نجاح الثورات في تونس ومصر وليبيا لهز ميزان القوى القائم في المنطقة وأثارت مخاوف الممالك من حكام الدول المجاورة .

أن السعوديين كانوا دائما قلقين من أحكام قبضتهم على السلطة وهذا هو السبب في أنهم كانوا أول من خافوا من انتشار الاحتجاجات السياسية على أراضيهم ، من ناحية واجهوا موجة جديدة من التحول الديمقراطي التي أزاحت مبارك في مصر أحد أكبر الحلفاء العرب الرئيسيين في المنطقة مما مهد الطريق لجماعة الإخوان المسلمين للاستيلاء على السلطة .

أن الجمع بين الديمقراطية والسياسة الإسلامية قد تحدى دور المملكة العربية السعودية كزعيم للعالم الإسلامي السني حيث قدم نموذجا إسلاميا سنيا بديلا للملكية السعودية ، لذلك رحب آل سعود بإستيلاء الجيش المصري في يوليو عام 2013م ، ومن ناحية أخرى كان على آل سعود أن يواجه مقاومة شيعية داخليه ، يقدر عدد الشيعة في المملكة العربية السعودية بحوالي 10٪ .

على عكس المملكة العربية السعودية أدى الإطاحة بحسني مبارك في مصر إلى القضاء على خصم رئيسي للإيرانيين وساعدهم الربيع العربي في تمكين المجتمعات الشيعية في الدول العربية المجاورة وخاصة في البحرين ، في الحقيقة اعتبر القادة الإيرانيون في البداية الربيع العربي امتدادا لأيديولوجيتهم واستمرارا لثورتهم الإسلامية .

ولم تستطيع ايران اجتذاب أى تأييد لنموذج الحكم الخاص بها داخل دول الربيع العربى ، كما فشلت إيران في تنفيذ أي تدخل سياسي كبير في الدول العربية في عام 2011م ولكنها انتقلت بسرعة للدفاع عن حلفائها الرئيسيين في سوريا ولبنان المتورطين في الحروب الأهلية الفوضوية .

ساءت العلاقة بين المملكة العربية السعودية وإيران حيث دعم كل طرف الجانب المعاكس للطرف الأخر فى الصراعات المستمرة ، على سبيل المثال في سوريا دعمت المملكة العربية السعودية المتمردين الذين حاربوا بشار الأسد حليف إيران ، بينما دعمت إيران الأسد بمساعدة عسكرية للحفاظ على سلطتها ، وبالمثل عندما احتجت الأغلبية الشيعية على الملكية السنية في البحرين دعمت المملكة العربية السعودية البحرين خوفًا من النفوذ الإيراني وقامت بقمع المتظاهرين البحرينيين من أجل الحفاظ على أسرة آل خليفة الحاكمة.

وتصاعدت التوترات بين الخصمين عندما اتهمت الرياض طهران بتدبير التمردات الشيعية في البحرين ، أن المملكة العربية السعودية لم تقلق بشأن التدخل الإيراني فى البحرين ولكنها تخشى تأثير حركات التحرير الشيعية على الأقلية الشيعية فى المملكة نفسها ، في الواقع كانت الحركات التي تسعى إلى الحرية في جميع أنحاء المنطقة فرصة لإيران لتوسيع نفوذها وإقامة تحالفات جديدة

علاوة على ذلك لم يكن واضحًا في أي أيدي ستنتهي قيادة المنطقة بالنظر إلى فراغ السلطة الذي خلقته الثورات ، ومع ذلك فإن الاستجابة السعودية الشديدة للاحتجاجات السياسية ساعدت في إطلاق دعاية إيرانية ضد شرعية السعوديين في جميع أنحاء المنطقة.

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الخامس

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الثالث)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

دعم السعودية للعراق خلال الحرب منع انتشار الثورة الإسلامية ,زاد من تدهور العلاقات السعودية الإيرانية ، وكانت الرياض قد دعمت العراق ماليا بقرض قدره أربعين مليار دولار لتعزيز جيشه ، هذا الخيار يمثل نواة للنظام الثلاثي فى المنطقة كتحالف استراتيجي سمح للمملكة العربية السعودية بأن تحيط بالعراق لتحتوي إيران ، علاوة على ذلك مع اشتداد الحرب مارست المملكة العربية السعودية ضغوطا اقتصادية إضافية ضد إيران ، في الواقع ردا على الهجوم الإيراني على ميناء الفاو العراقي ، غمرت السعوديون أسواق النفط الدولية خلال عامي 1985 و 1986م ولقد أدت هذه السياسة لمزيدا من الضرر بالاقتصاد الإيراني وقلصت الإيرادات في فترة الإنفاق الدفاعي المكثف .

وصلت العلاقة بين المملكة العربية السعودية وإيران إلى طريق مسدود في عام 1987 عندما احتج بعض الحجاج الإيرانيين ضد عائلة آل سعود ، تسببت الاشتباكات في مقتل المئات من الجانبين ، واتهم البلدان بعضهما البعض بالحادث ، تلاها قرار إيران بمقاطعة الحجاج للحج فى مكة المكرمة في المملكة العربية السعودية في السنوات التالية ، في نهاية المطاف في عام 1988م قطعت الدولتان العلاقات الدبلوماسية .

ومع ذلك فإن الغزو العراقي للكويت في عام 1990م قد أحدث تغييرات كبيرة في المنطقة ومرة أخرى تغيرات فى التحالفات الثلاثية فى الخليج ، أن غزو الكويت جعل العراق تهديدا مشتركا مما أجبر إيران على التخفيف من موقفها تجاه المملكة العربية السعودية لتوحيد صفوفها ضد سعي صدام حسين للهيمنة على المنطقة ،

أن موت الخميني وصعود علي أكبر هاشمي رفسنجاني في عام 1989م كرئيس إيراني جديد لعب دورا مهما في تغيير السياسة الخارجية الإيرانية في الشرق الأوسط بجعلها أكثر براغماتية ، في الواقع في عهد رفسنجاني تخلت إيران عن هدفها المتمثل في تغيير حكومات دول الخليج وسعت بدلا من ذلك إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية مع جيرانها العرب ، كان لإيران الهدف الاستراتيجي المتمثل في حثهم على التخلي عن التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة وتشكيل تحالف بديل للأمن الإقليمي .

سعيا لتطبيع العلاقات مع الدول المجاورة نظر رفسنجاني الي أهمية العلاقات مع المملكة العربية السعودية من حيث عائدات النفط ، في منتصف التسعينيات انخفض سعر النفط إلى أقل من 10 دولارات للبرميل مما ألحق الضرر بكل من السعودية وإيران ، عملت الخصمان على التغلب على خلافاتهما لتحسين علاقاتهما من أجل سياسة أفضل لإدارة حصص النفط الخام والإنتاج داخل أوبك ، مما أدى هذا التعاون إلى ارتفاع أسعار النفط بعد عام 1999م .

من المثير للدهشة أن تغيير القيادة والمصالح الاقتصادية المشتركة قد ساهم في تهدئة العداوة بين البلدين ، وبعد تعيينه محمد خاتمي في منصب رئيس إيران في عام 1997م ، استضافت إيران الاجتماع السنوي لمنظمة المؤتمر الإسلامي وهو مؤشر على المصالحة بين إيران وجيرانها الخليجيين ، وكان الانتعاش في العلاقات يرجع أيضا إلى تنامي قوة ولي العهد الأمير عبد الله الذي كان يدير السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية منذ عام 1995م وسعى إلى تعزيز علاقات المملكة مع إيران ، تمت استعادة الزيارات المتبادلة عندما قام الرئيس الإيراني السابق رفسنجاني بزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية في عام 1998 ؛ أول مرة منذ ثورة 1979م .

شهدت التسعينيات مرحلة التقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران بسبب التغير في أهداف السياسة الخارجية والاقتصادية الإيرانية وأن المملكة السعودية شعرت بأنها أقل تهديدا من قبل الجمهورية الإسلامية ، ومع ذلك استمرت الأسس الأيديولوجية المختلفة والمنافسة السياسية والاقتصادية ، وسرعان ما دفعت الأحداث المتغيرة في المنطقة العلاقة بين المملكة العربية السعودية وإيران إلى الحدة مرة أخرى .

حتى نهاية التسعينيات وأوائل الألفية الثانية كان التنافس بين المملكة العربية السعودية وإيران صامتا ، أن إيران لديها إمكانيات محدودة لتحدي النظام السياسي السعودي وأنها كانت تركز بشكل كبير على التهديد العراقي الوشيك من صدام حسين ، وأن المملكة العربية السعودية كانت راضية عن "السياسة الغربية المتمثلة في الاحتواء المزدوج للعراق وإيران" ، تم طرد القوات العراقية من الكويت والعقوبات ومنطقة حظر الطيران والقصف الأمريكي والبريطاني على العراق قد قض بالكامل على تهديد صدام للمنطقة .

ومع ذلك فإن قرار الولايات المتحدة بغزو العراق في عام 2003م للإطاحة بصدام حسين وحكومته كان خبرا سيئا على المملكة العربية السعودية لأنها أزالت أحد العناصر الرئيسية في المنطقة ومهدت الطريق أمام إيران لتحدي النظام القائم ، وأدى ذلك إلى تفكك النظام الثلاثي للطاقة ، الذي تتوازن فيه القوى الخليجية الثلاث الكبرى إيران والسعودية والعراق ، وفي الواقع تم استبدال الهيكل السابق (ثلاثي القطب) ، بهيكل ثنائي القطب وضع إيران والسعودية مباشرة ضد بعضهما البعض.


وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الرابع

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الثانى)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

في الوقت الذي تعتبر فيه الأسرة السعودية نفسها القيادة الشرعية الوحيدة في العالم الإسلامي استمرت إيران في تحدي شرعيتها لعقود خاصة بعد قيام الثورة الإسلامية في عام 1979م ،عملت الجمهورية الإسلامية على صياغة صورة من المقاومة والاستقلال تتغلب على الانقسامات العرقية وتعزز النهج الشعبي المعادي للصهيونية ومعاداة الولايات المتحدة والتطرف في المنطقة .

علاوة على ذلك فإن الإيديولوجية السياسية الإيرانية ليست موجهة فقط للمسلمين الشيعة بل تستهدف جميع المسلمين ، في الواقع كان الهدف من الإيديولوجية السياسية التي أسسها الخميني هو تعزيز الوحدة الإسلامية كان نموذج الخميني للحكومة الدينية وإدانة لأرث الاستعماري الغربي بمثابة رسالة عالمية ، لذلك فإن النخبة الدينية الإيرانية تعتقد أن تفويض حكومتها لا يقتصر على الحدود الجغرافية وأن سلطتها ونفوذها يجب أن يمتد إلى بلدان المنطقة ،

تحقيقا لهذه الغاية كانت إيران دائما مستعدة لدعم الحركات الإسلامية والجماعات المتمردة التي تتماشى مع أهدافها ، في بداية الربيع العربي استضافت إيران المؤتمر الدولي الأول حول "الصحوة الإسلامية" في طهران ، والذي حضره أكثر من 700 مندوب من 84 دولة ، خلال المؤتمر أصر آية الله علي حسيني خامنئي على ضرورة قيام الحكومة الإسلامية بالإطاحة بالدكتاتوريين والملكيات العربية بما في ذلك الأردن والبحرين والسعودية ، فإن هذا قد قاد إيران مباشرة إلى الصراع مع المملكة العربية السعودية التي لم تخشى الدبابات الإيرانية على حدودها بقدر خشيتها للمفاهيم الثورية التي تم دمجها في الفكر السياسي الإيراني وانتشارها المحتمل في جميع أنحاء المنطقة .

هذا التباين من حيث "رجال الدين مقابل الملكية" ، "الشعوبية مقابل النخبة" ، "الإقليمية ضد شبه الجزيرة" ، "الشيعة مقابل السنة" و "معاداة الغرب مقابل تأييد للغرب" ، أدى التنافس بين المملكة العربية السعودية وإيران إلى إحياء الخصومة الطائفية للتفسير الحقيقي للقيادة في العالم الإسلامي .

من وجهة نظر تاريخية كان توطيد أسرة آل سعود في عام 1928م بداية العلاقات السعودية الإيرانية ، ومع ذلك حدثت زيادة في العلاقات الدبلوماسية فقط منذ منتصف الستينيات ، عندما أطاح القوميون بالملك فيصل في العراق عام 1958م خوفا من المزيد من التمردات الشعبية ضد السلالات الملكية في المنطقة ، بدأ الشاه محمد رضا بهلوي والملك السعودي مشاورات متبادلة لتنسيق سياساتهما الإقليمية ، تم تعزيز العلاقات بين الحكومتين على هذا الأساس .

قبل الثورة الإيرانية كانت المصالح المشتركة الرئيسية التي توحدت بين المملكة العربية السعودية وإيران تتعلق بالتحدي للموجة الاشتراكية والقومية في الدول المجاورة ، لضمان التدفق المستقر للنفط والغاز وزيادة الثروة من خلال الصادرات والحفاظ على استقرار الأنظمة المعنية ، لم تمنح الانقسامات الطائفية أهمية كبيرة خلال وجود هياكل حكومية مماثلة تتبع سياسة خارجية وداخلية مواتية .

ومع ذلك انتهى هذا التناغم في أوائل عام 1979م عندما قضى آية الله الخميني على نظام الشاه وأنشأ أول جمهورية إسلامية في العالم الحديث ، شكك الخميني في شرعية العائلات الحاكمة للشيوخ العرب المجاورة وشجع علنا على استبدال تلك الأنظمة بحكومة إسلامية ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ كيف تبنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياسة خارجية عدوانية بهدف نشر الثورة في البلدان الإسلامية المجاورة ومعارضة الأرت الاستعماري الغربي في وقت واحد .

مثل هذا التغيير الجذري في السياسة الخارجية الإيرانية ونجاح الثورة كل شيء كانت ضده آل سعود والشاه ، وكان الخميني قد ناشد شعوب دول الخليج العربية بوضوح للإطاحة بنظام الملكية ، مدعيا أن الإسلام والممالك الوراثية لا تتفق متهما آل سعود بعدم وجود شرعية لحماية الأماكن المقدسة ، كانت الثورة تهديدا مباشرا للتأثير القوي للمملكة العربية السعودية في الشرق الأوسط وعلى أسرة آل سعود نفسها .

أدى الموقف العسكري الذي تبنته إيران إلى زيادة تدهور العلاقات الودية نسبيا بين البلدين ، بعد انزعاجها من العداء الصريح للنظام الإسلامي الإيراني ، وردت المملكة العربية السعودية من خلال تأسيس مجلس التعاون الخليجي في عام 1981م وإقامة اتفاقية أمنية لمواجهة التهديد الجديد من إيران ، بالإضافة إلى ذلك كثفت دول مجلس الأمن الخليجي تحالفاتها العسكرية مع الولايات المتحدة وتنسيق الدعم المالي العربي للعراق خلال الحرب بين إيران والعراق في السنوات 1980-1988م ، ونتيجة لذلك على مدى أكثر من عشر سنوات بعد ثورة 1979م سيطرت عدم الثقة على العلاقات بين البلدين مما أدى إلى تفكك العلاقات الدبلوماسية في عام 1988م وظهور تنافس مرير على السلطة والنفوذ في المنطقة .

عندما انسحب البريطانيون من الخليج في عام 1971م أصبحت الولايات المتحدة الداعم الجديد في المنطقة جنبا إلى جنب مع دول الخليج ، وفي عام 1970 تم اتباع "سياسة الركيزة المزدوجة" ، كلفت الولايات المتحدة شاه فارس والمملكة العربية السعودية بدور الضامنين للوضع الراهن في المنطقة ، وبعد الثورة الإسلامية سقط أحد الركنين مع انهيار النظام الإيراني ، في وقت قريب جدا ومع بداية الحرب بين إيران والعراق كان على دول الخليج بدعم من الولايات المتحدة أن تدعم غزو صدام حسين لإيران في سبتمبر عام 1980م لأن النظام البعثي كان هو الأساس لحماية المصالح العربية وخط دفاعها الأول ضد الإسلام الثوري .

أن التنافس بين العراق وإيران يعود إلى عقود من تبادل الضربات على مجرى شط العرب المائي ، علاوة على ذلك كان الصراع قد اشتد عندما حاولت طهران تصدير ثورتها الإسلامية إلى العراق ، غزا صدام حسين إيران لتحدي طموح وهيمنة أيران والاستيلاء على ثروة النفط وجزء من الأراضي على طول الحدود بين العراق وإيران ، الحرب بين الخصمين كانت أستمرت لثماني سنوات طويلة ، أن الحرب العراقية الإيرانية كانت نتيجة لسياسة رفض طهران من قبل الدول العربية ، أيران شعرت بالعزلة التامة لذلك قامت بتشكيل تحالفات مع سوريا وليبيا وجنوب اليمن وحزب الله في لبنان .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الثالث