3‏/11‏/2019

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الخامس عشر)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

بدأت الأزمة اليمنية الحقيقية بثورة 2011م التي وضعت حدا لحكومة صالح بعد 33 عاما من الديكتاتورية ، ففي نوفمبر عام 2011م وتحت ضغط من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة ، أجبر صالح على التوقيع على اتفاق تنازل فيه عن السلطة لنائب الرئيس عبد ربه منصور هادي ، واجه منصور هادي العديد من الصعوبات في الانضمام إلى الساحة السياسية المشاكسة في البلاد وفشل في تحدي تهديدات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية ومقاتلي الحوثيين الذين كانوا يقودون التمرد في الشمال بعد أن ضربت موجة الربيع العربي البلاد .

تقدموا الحوثين وتوسعوا ووصلوا إلى العاصمة اليمنية في أوائل عام 2015م ، سيطرت هذه الحركة العسكرية والسياسية على صنعاء بعد الضغط على الرئيس الانتقالي منصور هادي الحليف الرئيسي الجديد المملكة العربية السعودية في اليمن حتى انه استقال من منصبه ، ولد الحوثيون كحركة إحياء للنموذج الزيدي للإسلام الشيعي والذين كانوا حاضرين تقريبا في شمال اليمن ، وأصبحوا في السنوات العشر الأخيرة ميليشيات ذات اعداد هائلة، ووفقا لدبلوماسيين من الرياض وواشنطن ولندن فإن هذه المجموعة مدعومة من طهران كجزء من جهودها لتوسيع شبكة حلفائها في جميع أنحاء المنطقة .

في الأشهر التالية أعلن الحوثين أنهم سيطروا على الحكومة وحلوا البرلمان وأنشأوا لجنة ثورية برئاسة محمد علي الحوثي ، فر الرئيس هادي إلى عدن حيث أعلن نفسه الرئيس الشرعي الوحيد لليمن ودعا المسؤولين الحكوميين المخلصين وأفراد القوات المسلحة للانضمام إليه ، في 27 مارس 2015م غادر هادي البلاد في وقت بدأت فيه السلطات السعودية غارات جوية على الحوثيين .

لإيران مصلحة إستراتيجية طويلة الأجل في اليمن ، تقع اليمن على الطرف الجنوبي الغربي من شبه جزيرة الخليج وهي بلد شائك ، يحكمها سوء إدارة كبير وهى بالقرب من الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية ، علاوة على ذلك يمكن للشيعة في اليمن أن يخدموا طهران ويكونوا قاعدة محتملة للعمليات ضد المملكة العربية السعودية ، ومن خلال اللعب بورقة الحوثي يمكن لإيران أيضا أن تحاول الضغط على السعوديين من أجل قضايا العراق وسوريا أو تعزيز جهودها لتقويض المملكة من حدودها الجنوبية .

تورط إيران في اليمن ليست جديدا ويعود إلى نظام الرئيس صالح ، بينما في الماضي كان ينظر إلى هذا التورط على أنه ظاهرة بسيطة تنطوي على بعض شحنات الأسلحة إلى المتمردين في اليمن ويبدو اليوم أن لها أهمية استراتيجية ، فمنذ عام 2012م زادت قوات الأمن الأمريكية من تعاونها مع الحكومة اليمنية لمنع شحنات الأسلحة الإيرانية إلى اليمن ، وفي يوليو 2012م كشفت وزارة الداخلية اليمنية عن اكتشاف مجموعة من الجواسيس الإيرانيين المتمركزين في صنعاء واعتقلت ضابطا بالحرس الثوري الإيراني بتهمة كونه قائدا لهم ، علاوة على ذلك أدانت محكمة يمنية أعضاء طاقم سفينة تحمل أسلحة من إيران استولى عليها خفر السواحل اليمني والبحرية الأمريكية في عملية مشتركة في يناير 2013م بتهمة التعاون مع إيران و تهريب الأسلحة .

التدخل الإيراني في اليمن يسمح لإيران بإظهار قوتها الإقليمية ومدى نفوذها العسكري ، أن شحنات الأسلحة الإيرانية الموجهة إلى الحوثيين ليست كبيرة جدا مقارنة بالأسلحة التي تصل بالفعل إلى اليمن وخاصة الى الشمال ولكنها تسمح لطهران بالحصول على النفوذ في البلاد لتحدي هيمنة المملكة العربية السعودية في شبه الجزيرة ، لا تدعم إيران الحوثيين فحسب بل تسعى أيضا إلى تعزيز نفوذها على الفصائل اليمنية الأخرى بما في ذلك الحركة الانفصالية الجنوبية .

تقول الحكومة اليمنية إن إيران حاولت أيضا تقويض المؤتمر الوطني للحوار والذي كان يهدف إلى خلق إجماع وطني وحل الأزمة اليمنية ، ففي عام 2013م التقى السفير الإيراني في صنعاء مع رئيس الذراع السياسي للحركة الحوثية عدة مرات من أجل إقناع الحوثيين بالانسحاب من المؤتمر .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء السادس عشر

2‏/11‏/2019

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الرابع عشر)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

في البداية رعت المملكة السعودية هامش أقل طائفية من جماعات المتمردين مثل الجيش السوري الحر وغيرها من الجماعات التي حافظت على مسافة بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين ، وعندما لم يحقق الجيش السوري الحر النتائج المرجوة حول السعوديون دعمهم للجماعات السلفية الطائفية المقاتلة ، بدأ السعوديون بدعم تشكيل الجبهة الإسلامية في عام 2013م لكنهم ما زالوا يرفضون دعم جبهة النصرة وداعش والجماعات المقاتلة السنية المرتبطة علناً بتنظيم القاعدة ، تراهن الرياض على نوعين من المتمردين السوريين الذين لا يُعتبرون متطرفين سياسياً والذين لم يطالبوا بالعصيان تجاه الحكام المسلمين ، الأول هو الحليف الغربي ذو التوجه غير الإسلامي والثاني هى الجماعات السلفية ، يندرج الجيش السوري الحر ضمن الفئة الأولى تحت القيادة العسكرية العليا بقيادة اللواء سليم إدريس ، بينما تندرج أحرار الشام والجماعات السلفية المماثلة في الفئة الثانية .

ترى الرياض أن الصراع السوري فرصة للحد من توسع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط ، وقد أكدت استجابة المملكة العربية السعودية وحلفائها الإقليميين أسوأ مخاوف إيران من أن هدف دول الخليج هو إضعاف الجمهورية الإسلامية بدلاً من طرد الأسد من السلطة ، استثمرت كل من السعودية وإيران الكثير في حرب سوريا للرجوع إلى دائرة النفوذ ، لقد أعمى هذا دائمًا المنافسين وأدى بهم إلى أخطاء إستراتيجية لا نهاية لها ، ومن ناحية أخرى تتحد أوروبا والولايات المتحدة جنبًا إلى جنب مع المتمردين وتتفق على الحاجة إلى تغيير القيادة في سوريا ، الأمر الذي يغذي الآمال فى النصر ولكن أوروبا والولايات المتحدة لا يقدموا سوى دعم مادى متواضع فى الميدان ، من ناحية أخرى بذلت روسيا قصارى جهدها لضمان عدم إحداث أي تغيير في النظام السوري .

ترى إيران أن الصراع السوري لعبة محصلتها صفر ، حيث يعنى سقوط نظام الأسد ولادة نظام جديد مناهض لإيران يستند إلى نظام سياسي إقليمي عدائي بشكل أساسي تجاه طهران ، وبالتالي لا تخاطر إيران بخسارة حليف مهم فحسب بل وأيضًا دعمها لحزب الله وبالتالي تأثيرها على لبنان والقضية العربية الإسرائيلية ، يجب على طهران مواجهة ولادة الهلال السني المؤيد للغرب والذي يمتد من تركيا إلى سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ، لهذه الأسباب لا يمكن لإيران أن تفقد خط دفاعها الأول ضد الجهود المشتركة لأعدائها الإقليميين لعزل وإسقاط الجمهورية الإسلامية كجزء من استراتيجية طويلة الأجل ، السيناريو الذي تخشاه إيران في سوريا هو استبدال النظام بنظام آخر متحالف بشكل وثيق مع خصم طهران الإقليمي وهى المملكة العربية السعودية ، بالإضافة إلى محاولة الحفاظ على سلطتها ونفوذها في بلاد الشام ، فإن الاستراتيجية الإيرانية لها أيضًا عنصر دفاعي ، المعارضة السورية لديها الآن القدرة على السيطرة على المناطق الحدودية شرق العراق وزيادة التوتر بين الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد والمتمردين السنة ، لذلك تخشى إيران حقًا أنه إذا تم إسقاط نظام الأسد فقد يحدث نفس الشيء في العراق .

يمكن أن يزيد الصراع السوري من طموحات السنة في العراق ويؤدي إلى تفكك البلاد بين الشيعة والسنة والمناطق الكردية ، مما يهدد الأمن القومي الإيراني ويسبب مشاكل داخلية خاصة في المناطق الكردية والعربية على الحدود مع إيران ، لذلك بدأت إيران في تفسير أي معارضة أجنبية باعتباره تهديد مباشر أو غير مباشر لبقائها وكجزء من استراتيجية كبيرة أو التآمر لقلب نظام الجمهورية الاسلامية

التحالف بين إيران وسوريا له أهمية جيوسياسية كبيرة 

أولئك الذين يأتون للسيطرة على الشرق الأوسط يجب أن يسيطروا أولاً على سوريا وأولئك الذين يسيطرون على دمشق أو الحصول على تحالف معها قد يعزلون الدول العربية الأخرى ويكون لهم دور قيادي في المنطقة ، مطلوب من طهران أن تختار بين خيارين صعبين ، الأول هو اختيار البقاء إلى جانب حليفه العربي الأثمن والقديم وهى سوريا وبالتالي يُنظر إليها على أنها دولة منافقة وانتهازية من قبل جماهير العالم العربي الإسلامي ، والثاني هو أن يكون محايداً وأن يمتنع عن دعم نظام الأسد دون أي ضمان بالحصول على ولاء الحكومة الجديدة بعد الاستيلاء على السلطة في دمشق .

بالنظر إلى الظروف الحالية كان على إيران اختيار الخيار الأول ، ومع ذلك تدرك إيران أنها لا يمكن أن تستمر إلى الأبد تحت ضغط الظروف ، فازدادت اهتماما بالحوار السياسي والحل الدبلوماسي المحتمل في السنوات الأخيرة .

كما بدأت طهران أيضًا في بناء ميليشيات في سوريا تُعرف باسم الجيش الشعبي مؤلفة من أنصار النظام والعلويين وغيرهم من الجماعات لضمان عدم قدرة أي نظام جديد في المستقبل على السيطرة على سوريا كلها في حالة فقدان ايران لحليفه السوري وتريد إيران ضمان عدم تمكن المملكة العربية السعودية من استغلال سوريا ضد الجمهورية الإسلامية في تحدي القوة الإقليمية .

في عام 2015م أعلن السعوديون عن تشكيل تحالف عسكري لنحو 30 دولة إسلامية بما في ذلك مصر وتركيا لمكافحة الإرهاب الدولي ، نظرت روسيا وإيران إلى التحالف على أنه يهدف إلى تعزيز قيادة المملكة العربية السعودية ومواجهة جهودهما في المنطقة 

هددت المملكة العربية السعودية مؤخرًا بالتدخل المباشر في سوريا ، أعلن مسؤول عسكري سعودي في أوائل فبراير 2016م "المملكة مستعدة للمشاركة في جميع العمليات البرية التي قد يوافق التحالف على تنفيذها في سوريا " .

كما وجد التنافس الجيوسياسي بين إيران والمملكة العربية السعودية نزاعًا إقليميًا آخر أنها الحرب الأهلية في اليمن .
أصبحت اليمن أفقر بلد في العالم العربي والمتاخمة للمملكة العربية السعودية وتحتل الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية واحدة من المناطق التي يبدو أن المصالح الإيرانية تتعارض فيها مع المصالح السعودية ، بداية من ساحة المعركة الإقليمية في سوريا والعراق ، تحولت اليمن إلى خط مواجهة رئيسي آخر في المنافسة على السيادة .

بعد ثورة 14 أكتوبر (الثورات التوأم) في شمال وجنوب اليمن والثورة الإسلامية في إيران ، حافظت الجمهورية العربية اليمنية الواقعة في شمال اليمن على علاقات جيدة مع السعودية بسبب المعارضة المتبادلة لإيران ، وفي الوقت نفسه أصبحت الدولة الاشتراكية التي خلفت الحكم البريطاني في الجنوب أقرب إلى طهران بسبب معارضتهما المشتركة للاستعمار الغربي وقوة الملكية الخليجية ، وبعد التوحيد تم تأسيس العلاقات مع اليمن من خلال رئاسة علي عبد الله صالح بشكل عام لصالح الحفاظ على الروابط مع أي دولة يمكن أن تخدم مصالحه على الرغم من أن صالح كان أكثر ملاءمة لجارته السعودية .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الخامس عشر

31‏/10‏/2019

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الثالث عشر)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

وفى المقابل ازدادت التوترات بين المملكة العربية السعودية وإيران وحلفائها في لبنان منذ بداية الصراع في سوريا ، تضخمت هذه التوترات بعد أن صعد الملك سلمان للعرش السعودي واتبع سياسة خارجية حازمة ، قدمت الرياض 4 مليارات دولار كمساعدات للقوات المسلحة اللبنانية ،و كجزء من جهودها للحفاظ على نفوذها فى البلاد واستفزاز لحزب الله اللبناني الذي كان ينتقد زيادة الاستثمارات السعودية في الجيش اللبناني ، ومع ذلك أعلن آل سعود أنه ألغى المساعدات المقررة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في محاولة لتقوية الجيش وجعله أكثر ملاءمة للعمل بشكل مستقل عن حزب الله ، أوضحت المملكة السعودية وحلفاؤها أن قرارهم كان يهدف إلى القضاء على نفوذ حزب الله في السياسة الخارجية اللبنانية وتلعب السعودية لعبة خاصة في لبنان تريد معاقبة وإضعاف حزب الله ومؤيديه الإيرانيين .

زاد التدخل الروسي والإيراني في سوريا من غضب السعودية تجاه حزب الله ، كان هدف الرياض في سوريا هو التخلص من إيران لكن حزب الله هدفه المقاومة ، لذلك ازداد إحباط المملكة السعودية من بيروت ، وما زاد الطين بلة أن لبنان لم ينضم إلى إجماع جامعة الدول العربية الذي أدان إيران فى الهجوم على السفارة السعودية في طهران في أوائل يناير ، وللضغط على لبنان ردت الرياض بتعليق برنامج مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار لشراء أسلحة فرنسية للجيش اللبناني وألغت مشروع بقيمة مليار دولار لمساعدة جهاز الأمن الداخلي في لبنان ، كما أضافت حزب الله والمنظمات الأخرى ذات الصلة به في قائمة المنظمات الإرهابية ، في المقابل دافعت مجموعة 8 آذار عن إيران وحثت على دعم أقوى لإيران كميزان توازن إقليمي ، أصدقاء المملكة العربية السعودية يدركون قوة حزب الله في لبنان وليس لديهم الشجاعة لتحديها مباشرة ، طرد إيران من لبنان هدف بعيد جدا للدبلوماسية السعودية وهزيمة حزب الله ليست بهذه السهولة .

في هذه المرحلة يبدو سيناريو الضغط السعودي علي لبنان ضد حزب الله أمرا غير واقعي ، لا يبدو أن تحالف 14 آذار يتمتع بسلطة كافية لقمع جهود حزب الله ، وقد تؤدي مواجهة الرياض مع الحكومة اللبنانية بفرض عقوبات اقتصادية إلى تمديد الأزمة الرئاسية  بقاء الاقتصادي اللبناني يعتمد في المقام الأول على الخليج ، ومن شأن حرب غير مباشرة بين الرياض وطهران الى اعادة البلاد الى حافة الفوضى السياسية .

اندلاع انتفاضة الربيع العربي في سوريا قاد البلاد الى حرب اهلية تشارك فيها الجهات الفاعلة الإقليمية بشكل متزايد ، لقد جلبت هذه المواجهة إيران والعراق وحزب الله اللبناني إلى جانب نظام الأسد ، والمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا لدعم المتمردين .

مع استمرار الأزمة السورية بدأت حرب "بالوكالة" في الظهور بمشاركة أطراف إقليمية ودولية ، بدأ السعوديين وحلفائهم فى توفير المعدات العسكرية والدعم المالي للمعارضة السورية ، وفي هذه الأثناء شعرت إيران بأنها مضطرة لتقديم الدعم الكامل لنظام الأسد ،
وشملت المساعدة التي قدمتها إيران للنظام السوري النفط والمساعدات المالية ، ودعم الاستخبارات ، والمعدات العسكرية والذخيرة ، والأسلحة الصغيرة ، والأسلحة الثقيلة والمدفعية ، المسؤولين الفنيين والمتخصصين لتشكيل وقيادة القوات السورية ونشر وحدة فيلق القدس لإجراء العمليات البرية .

قدمت ايران  دعم كبير لكتائب البعث وهي ميليشيات موالية لحزب البعث وللأسد ، أعلن قائد الحرس الثوري الإسلامي محمد علي جعفري أن إيران تدعم الأسد ماليا وسياسيا ودبلوماسيا وأن قوات جيش القدس الخاصة موجودة منذ زمن طويل في سوريا ، وفي يونيو عام 2015م قدر ستافان دي ميستورا المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا ، أن المساعدات الإيرانية لسوريا بما في ذلك المساعدات العسكرية والاقتصادية بلغت حوالي 6 مليارات دولار في السنة .

من جانبها قامت المملكة العربية السعودية برعاية جميع المتمردين الذين يمكن استخدامهم في مكافحة النفوذ الايراني ، وكان الهدف الاستراتيجي للسياسة الخارجية السعودية هو الإطاحة بالأسد وبالتالي إضعاف إيران وحزب الله ،  سعى آل سعود لتعزيز عناصر معينة بين المتمردين حتى إذا سقط الأسد عندها تتحكم هذه العناصر في ما تبقى من الدولة السورية ، تحقيقا لهذه الغاية لم تركز المملكة العربية السعودية على تقديم المساعدات المادية والمالية فحسب بل سعت إلى تحسين وضع وقدرة المعارضة السياسية للأسد ، وخاصة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الرابع عشر

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الثانى عشر)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

لبنان ايضا باتت ساحة للمنافسة بين إيران والسعودية حيث كثفت كلا من هما الانقسامات بين الفصائل السياسية اللبنانية ، ويعود هذا الانقسام إلى اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005م مما أدى إلى ظهور ساحة معركة سياسية بين المؤيدين لإيران والأسد "تحالف 8 مارس" والمؤيد للخليج والجزيرة العربية والسعودية "تحالف 14 مارس" .

تم تشكيل تحالف 8 أذار بعد انتخابات 8 مارس عندما احتج الآلاف من المؤيدين لسوريا وحزب الله لصالح استقالة رئيس الوزراء الموالي لسوريا عمر كرامي ، التحالف هو في الأساس ائتلاف يضم الحركة المسيحية المارونية الحرة وحركة أمل الشيعية وحزب الله ، من ناحية أخرى فإن تحالف 14 آذار الذي تم تشكيله أيضًا في عام 2005م يأخذ اسمه من الاحتجاجات المناهضة لسوريا التي وقعت في 14 مارس 2005 بمناسبة شهر الاحتفال بذكرى اغتيال رفيق الحريري ، تحالف 14 آذار بقيادة سعد الحريري السني هو تحالف سياسي للأحزاب المتحد موقفهم المعادي لسوريا ومعاد لإيران ومعارض لتحالف 8 آذار بقيادة ميشيل معوض نجل الرئيس رينيه معوض وزعيم حركة الاستقلال وكذلك أعضاء في القوات المسيحية اللبنانية وشخصيات أخرى مثل أمين الجميل رئيس حزب الكتائب والرئيس السابق لجمهورية لبنان ، أن النظام الطائفي أنتج تحالفات غريبة بما في ذلك آخر تحالف حكومي يربط بين حزب الله (الميليشيات الشيعية والحزب السياسي) - والتي تعتبره الولايات المتحدة منظمة إرهابية - إلى جانب الأحزاب اليسارية وفصائل مسيحية موالية لسوريا .

معظم الأحزاب اللبنانية مرتبطة بمصالحها الإقليمية كما يتضح من التعاون بين الحزب السني (تيار المستقبل) مع السعوديين ، واعتماد الأحزاب الشيعية الرئيسية (أمل وحزب الله) على إيران ، اتهم تحالف 14 آذار تحالف 8 آذار بأنه يعمل لدى النظامين الإيراني والسوري ، واتهم تحالف 8 آذار منافسه 14 اذار بأنه تحالف عميل بقيادة الإدارة الأمريكية وبتمويل من الحكومة السعودية .

من خلال دعم خصوم حليفها حركة 14 آذار التي يهيمن عليها السنة تعتقد إيران أن الرياض تحاول إحباط نفوذها فى لبنان ، في عام 2005م بدت الرياض على ما يبدو نكسة لطهران مع انسحاب القوات السورية من لبنان وفوز تحالف 14 آذار في الانتخابات البرلمانية اللاحقة ، ومع ذلك لم يكن الحلفاء اللبنانيون في المملكة العربية السعودية قادرين على كبح جماح حزب الله وبحلول عام 2011م فقد تحالف 14 آذار أغلبيته البرلمانية وانضمت بعض عناصره إلى حزب الله وحلفائه لإزالة سعد الحريري من رئاسة الوزراء .

حزب الله الحليف الأهم لإيران في المنطقة هو قوة مهمة في السياسة اللبنانية ، يقول القادة الإيرانيون إن حزب الله هو نتيجة للثورة الإيرانية عام 1979م والتي دعمتها إيران سياسيًا وماليًا وعسكريًا منذ إنشائها ، يهدف التمويل والإمداد المستمران لحزب الله إلى تعزيز الدور الشيعي في المجتمع اللبناني مما يسمح له باكتساب المزيد من السلطة على الساحة السياسية اللبنانية ، وفي عام 2006 بعد حرب حزب الله ضد إسرائيل مولت إيران أنشطة إعادة الإعمار في لبنان .

وفقا لمصادر إسرائيلية زودت إيران حزب الله بأكثر من 100000 صاروخ وقذيفة بعضها قادر على الوصول إلى تل أبيب من جنوب لبنان بالإضافة إلى مدفعية متطورة تكنولوجياً ، ومضادات للسفن ، ومضادة للدبابات ، ومضادة للطائرات . 

بعد الثورة الإسلامية اعتقدت إيران أن أيديولوجيتها سوف تنتشر خارج إيران وسعت بنشاط لتصديرها إلى لبنان ، وعندما كانت إيران لا تزال تكافح من أجل الحرب مع العراق أرسلت في عام 1982م 1500 من حرسها الثوري إلى سهل البقاع في لبنان ، قام الحرس بتجنيد وتدريب شباب من الجماعات الشيعية اللبنانية بما في ذلك أمل وحزب الله للدفاع عن الشيعة في لبنان ضد إسرائيل وإظهار التأثير الإيراني . 

حاليًا يحافظ حزب الله على دعم واسع في جميع أنحاء لبنان ويشغل 14 من أصل 128 مقعدًا في البرلمان ، وأصبح حزب الله أقوى حركة سياسية في لبنان والتي نمت قوتها العسكرية بشكل ملحوظ لدرجة أن جناحها شبه العسكري يعتبر أقوى من الجيش اللبناني .

شهدت الانتخابات التشريعية الأخيرة في لبنان انتصار حزب الله وهي علامة تبعث على القلق الشديد بالنسبة للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة التي تعتبر "حزب الله" منظمة إرهابية .

منذ الربيع العربي ساعد حزب الله إيران في دعم الحكومة السورية خلال الصراع ضد المعارضة والتدخل علنا في الحرب الأهلية السورية نيابة عن حكومة الأسد ، يقاتل حزب الله نيابة عن إيران ضد المعارضة والمتمردين الذين تدعمهم المملكة العربية السعودية  وادى مشاركة حزب الله في الصراع السوري الى زيادة التوترات بين لبنان والمملكة العربية السعودية ، وخلال الأشهر الأولى من عام 2016م بقيادة المملكة العربية السعودية وصفت دول الخليج حزب الله رسمياً بأنه منظمة إرهابية وحثت مواطنيهم على مغادرة لبنان .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الثالث عشر

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء الحادى عشر)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

مما لا شك فيه ساعدت إيران في تأسيس العديد من الميليشيات الشيعية التي حاربت الولايات المتحدة في الفترة 2003-2011م . وأصبحت معظم هذه الجماعات منظمات سياسية بين عامي 2011 و 2014م ، وتأكدت إيران من أن بعض هذه الجماعات دعمت قوات الأمن العراقية ضد الدولة الإسلامية ، الميليشيات التي تعمل معها إيران عن كثب في العراق تشمل عصائب أهل الحق (رابطة الأبرار) وكتائب حزب الله (كتائب حزب الله) ومنظمة بدر ، حظي جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر (أعيدت تسميته كتائب السلام في عام 2014م) بدعم كبير من إيران خلال الفترة 2003-2011م ، لكنه حاول أن ينأى بنفسه عن إيران بعد الحملات الأخيرة ضد الدولة الإسلامية .

المملكة العربية السعودية من ناحية أخرى كانت متشائمة بشأن الوضع برمته في العراق بعد الغزو الأمريكي في عام 2003م ، في الغالب فإن أي محاولة سعودية لإقامة علاقات مع الجماعات العربية السنية أو الفصائل في العراق يمكن أن تضع السعوديون في موقف مشكوك فيه بزعم أنهم ذهبوا لدعم الفصائل المعارضة لحلفائهم الأمريكيين ، لهذا السبب حافظت الرياض على التواصل مع الأحزاب العراقية والعربية والكردية والسنية والشيعية والقبلية والحضرية لكنها فشلت في خلق علاقات مع الجماعات العربية السنية أو الفصائل في العراق مثل التي أقامتها إيران .

في النزاعات الإقليمية الأخرى طور السعوديون علاقات وثيقة مع مختلف الأطراف معظمها من خلال المساعدات المالية والدعم الدبلوماسي والمساعدات العسكرية المباشرة في بعض الأحيان من أجل السيطرة على النزاعات وإنقاذ مصالح السعودية ، ففي الحالة العراقية حافظت الرياض على سلبيتها حيث طلبت الولايات المتحدة منع توطيد النفوذ الإيراني في العراق ، ومع استمرار إيران في تعزيز نفوذها على الجماعات الشيعية واجهت المملكة العربية السعودية وقتا عصيبا في متابعة طريقتها الأبوية في التعامل مع حلفاء المجتمع العربي السني التي استهدفت النظام السعودي ، ومع ذلك عندما ظهرت حركة الصحوة في عام 2006م وجدت المملكة العربية السعودية أخيرا حليفا عراقيا معاديا للتدخل الإيراني ، لذلك وبالتعاون مع الولايات المتحدة دعمت الرياض حركة الصحوة .

علاوة على ذلك ولمعالجة الثقل الديموغرافي للأغلبية الشيعية في الانتخابات دعمت الرياض المرشح إياد علاوي زعيم حزب ‏القائمة العراقية الوطنية ، الذي كان رئيس وزراء الحكومة الانتقالية العراقية خلال فترة السنتين 2004-2005 م ، على الرغم من أن علاوي كان شيعيا فقد تم بناء حزبه على أساس تحالف متعدد الأعراق الذي كان قائما على القومية العراقية ، لم يكن للحزب أية نتائج إيجابية في انتخابات عام 2005م ، لكن السخط الشعبي من رئيس الوزراء نوري المالكي ساعد علاوي في الفوز بالانتخابات البرلمانية عام 2010م ، دعمه السعوديون ماليا وعبر وسائل الإعلام حصل الحزب على عدد وافر من المقاعد ، ومع ذلك بدعم من إيران استطاع المالكي أن يجمع الأحزاب الشيعية معا ويحافظ على رئاسة الوزراء ، رفضت السعودية استقبال المالكي في الرياض للقيام بزيارات رسمية لإرسال سفير إلى بغداد .

سعت إيران للتأثير على نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية في عامي 2005 و 2010م والتأثير على انتخابات مجالس المحافظات لعام 2009م بتمويل ومشورة المرشحين المفضلين لديها ، بعد انتخابات عام 2010م أسس إستراتيجية سياسية لما بعد الانتخابات ترتكز على منع قيام علاوي بتشكيل حكومة ، ويرى المراقبون أنه فى حال فقدان إيران للعراق لصالح الولايات المتحدة أو لصالح حكومة مدعومة من السعودية يعني هذا انتكاسه لسعيها من أجل البحث عن النفوذ الإقليمي ويمكن أن يشكل تهديدا خطيرا لأمن حدودها.

بعد رحيل نوري المالكي في عام 2014م رحبت المملكة العربية السعودية بوصول رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي  وبالمقابل توقفت إيران عن دعم حليفها السابق المالكي حالما أدركت مدى المعارضة الوطنية والدولية عندما سقطت الموصل فى يد  الدولة الإسلامية ، كانت لإيران ميزة أخرى فى العراق في عام 2014م عندما رفض أوباما في البداية مساعدة العراق ضد داعش والتي بدأت مسيرة نحو بغداد في يونيو ، في تلك اللحظة الحرجة لم يعرض أي بلد مساعدة الحكومة العراقية عدا إيران ، التي أرسلت مستشارين وأسلحة سمحت للعراق بالتنفس وتجنب سقوط بغداد ، في هجوم تكريت تم تعبئة 20000 من رجال الميليشيات الشيعية ومن المفارقات أن صعود الدولة الإسلامية عزز النفوذ الإيراني ، سمحت وحشية وقسوة الدولة الإسلامية للمستشارين الإيرانيين بإدارة الميليشيات الشيعية بفعالية  وإلى حد ما الجيش العراقي ، واضطرت الولايات المتحدة الى استخدام قوتها الجوية جنبا إلى جنب مع القوات البرية بقيادة إيران .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الثانى عشر

30‏/10‏/2019

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء العاشر)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

أعطى الإطاحة بصدام حسين عام 2003م لإيران القدرة على تغيير علاقتها مع العراق ، كانت إيران تخشى أن يصبح العراق حليفًا مسلحًا للولايات المتحدة على نحو يكمل الحصار العسكري لحدودها ، لذلك حاولت رصد التطورات من خلال العمل مع الأحزاب الشيعية العراقية ولذلك دعمت القوى الشيعية الناشئة والأكراد وبدرجة أقل دعمت إيران أيضًا الجماعات السنية . 

استخدمت إيران علاقات طويلة الأمد مع كبار السياسيين العراقيين والأحزاب والجماعات المسلحة وقوتها الناعمة في المجال الاقتصادي والديني لتأسيس لتحقيق النجاح في العراق ، في الأساس كان الهدف السياسي الإيراني هو توحيد الأحزاب الشيعية العراقية حتى يتمكنوا من ترجمة ثقلهم الديموغرافي إلى نفوذ سياسي من خلال تعزيز السيطرة على الحكومة .

قضى معظم أعضاء الشيعة الحاليين في العراق من النخبة السياسية ، مثل عائلتي الحكيم والصدر ، فترة المنفى في إيران ، اليوم ليس لديهم علاقات وثيقة مع طهران فحسب بل يسعون أيضًا إلى الحفاظ على التعاون المتبادل ، أنهم يرون إيران كدعم قوي ووسيلة لدعم الأسر ثقافيافى بداية هيمنتهم السياسية على العراق ،  خلال المنفى ساعدتهم إيران في تنظيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي أنشئ في طهران عام 1982م ومقره في إيران حتى تم نقله إلى العراق في عام 2003م ، وبالمثل نظم الحرس الثوري كتائب بدر الجناح العسكري للمجلس الأعلى الذي قاتل جنباً إلى جنب مع القوات الإيرانية خلال ثماني سنوات من الحرب الأيرانية العراقية ، وبعد عام 2003م دخل الآلاف من رجال ميليشيا بدر جنوب العراق قادمين من إيران لحماية الحدود الإيرانية الجنوبية .

أرسلت إيران 2000 من الحرس الثوري والقوات شبه العسكرية إلى جنوب العراق خلف القوة المدرعة الأمريكية في مارس 2003م وسيطر الإيرانيون على البصرة قبل أن تصل الولايات المتحدة إلى بغداد ، وثم تم دمج العديد من رجال منظمة بدر في قوات الأمن العراقية ولا سيما الجيش ووزارة الاستخبارات وتنظيم القوات الخاصة الداخلية .

حظي حزب الدعوة الإسلامي الذي تأسس عام 1957م بدعم إيراني خلال المراحل الأخيرة من وجوده تحت الأرض في العراق ، وبعد عام 2003م انضم حزب الدعوة إلى العملية السياسية الوطنية ، ثم تم اختيار زعيم الحزب نوري المالكي من قبل المجلس الأعلى والصدريين كخيار توافقي كرئيس للوزراء في أبريل عام 2006م ، وبالتالي لعب حلفاء طهران دورًا رئيسيًا في تشكيل دستور 2005م والمؤسسات السياسية العراقية الناشئة . 

على الرغم من أن إيران استخدمت الورقة الطائفية لكسب النفوذ في العراق إلا أن دعمها للحلفاء الشيعة في العراق لم يكن يعتمد فقط على التضامن الديني المشترك والمعارضة المشتركة لنظام صدام حسين ، ولكن أيضا يمكن لهذه الجماعات الإسلامية أن تعطي إيران نتيجة أفضل من تلك التي توفرها لها الجماعات القومية العلمانية مثل حركة الوفاق الوطني العراقي الذي يتزعمه إياد علاوي ، وهو حزب قومي أكثر علمانية تضمنت قاعدته السياسية العديد من القوميين العرب وأنصار النظام السابقين الذين عارضوا بقوة النفوذ الإيراني في العراق ، وبمساعدة إيرانية والقائمة الشيعية المشتركة مع الائتلاف العراقي الموحد ، نافست قائمة اياد علاوى في الانتخابات البرلمانية لعام 2005م

 وكانت قائمة علاوى تشمل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي ، وحزب منظمة بدر ، والدعوة ، وحزب الفضيلة الإسلامي وغيرها من الأحزاب الشيعية العراقية الصغيرة التي تتمتع بمستويات مختلفة من الدعم من إيران ، فاز التحالف بأغلبية الأصوات في كلتا الانتخابات وبالتالي لعب دورًا مهمًا في تحديد الدستور العراقي والحكومات التالية .

في الوقت الذي تعزز فيه أيران قوتها الناعمة في العراق سعت إيران أيضًا للتأثير على شبكة رجال الدين الشيعة في النجف ، مولت طهران رجال الدين المسيسين في قم ، تتبع طهران هذه الطريقة ليس فقط بسبب المعتقدات الدينية والسياسية ، ولكن أيضًا لأنها تعتقد أن تعزيز التضامن مع الشيعة حول العالم سيضمن دعمهم لها في حالة وقوع هجوم محتمل على إيران ، من خلال دعم رجال الدين الإيرانيين في قم الذين يروجون لإيديولوجية الحكومة الدينية (ولاية الفقيه) ، بدلاً من رجال الدين في النجف الذين يروجون لدور رجال الدين المحدود في السياسة تسعى إيران للسيطرة على الشبكة الشيعية الدولية .

أدت الوفاة المؤثرة لآية الله حسين فضل الله عام 2010 وهورجل دين شيعى لبناني تم تدريبه في النجف ، وسوء الحالة الصحية للسيد علي السيستاني عضو مدرسة النجف والمرجع الرئيسية وهو أمر مهم لنحو 80٪ من جميع الشيعة في العالم ، يجعل مدرسة النجف أكثر عرضة للنفوذ الإيراني ، بهذه الطريقة تكتسب إيران النفوذ في العراق وتسعى لتأسيس دور مهم لنفسها في الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في النجف .

عملت إيران أيضًا على الحفاظ على علاقاتها طويلة الأمد مع الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق ، بما في ذلك الحزب الديمقراطي الكردي والاتحاد الوطني الكردستاني  لتأمين نفوذها في بعض المناطق فى شمال العراق ، قاتل مقاتلو البشمركة الأكراد إلى جانب إيران ضد القوات العراقية خلال الحرب الإيرانية العراقية ، وفى المقابل قامت طهران بتسليح الاتحاد الوطني الكردستاني خلال قتاله مع الحزب الديمقراطي الكردستاني من 1994 إلى 1998 ، تواصل إيران التمتع بعلاقات وثيقة مع الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ومع حكومة إقليم كردستان ومقرها في أربيل ، طورت إيران بسرعة علاقات اقتصادية ثنائية مع حكومة إقليم كردستان التي تلبي احتياجات أربيل فيما يتعلق بالوصول إلى البحر والوصول إلى الأسواق ، بينما يمكن لإيران الحصول على منتجات الوقود المكررة والتكنولوجيا ، لقد ساعد هذا التحالف إيران على التهرب جزئيًا من العقوبات الدولية .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الحادى عشر

إيران والمملكة العربية السعودية التنافس الجيوسياسي غير الديني (الجزء التاسع)

إستكمالا لدراسة اسباب التنافس الجيوسياسي غير الديني بين إيران والمملكة العربية السعودية 

لقد ساعد العراق إيران على التهرب من أصعب العقوبات الدولية ، في الواقع أصبح العراق ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد تركيا أحد أكبر المستثمرين في قطاع البناء السياحي الدينى وفي قطاعي الطاقة والمصارف .

كما أن للنفوذ في لبنان أهمية إستراتيجية بالنسبة لإيران بسبب حدودها مع فلسطين وموقفها من إسرائيل والوصول إلى البحر المتوسط ​​لتحقيق أهداف اقتصادية وجيوسياسية ، كانت العلاقات بين لبنان وسوريا جيدة دائمًا بعد قيام الجمهورية الإسلامية ، رأى الخميني أن الشيعة اللبنانين شريك رئيسي في الجهود الإيرانية لتصدير ثورتها إلى المنطقة ، لهذه الأسباب وكاستجابة للغزو الإسرائيلي للبنان قدمت طهران دعمها للشيعة اللبنانيين وساعدت في تأسيس حزب الله في عام 1982م .

كما توفر أولويات التحالفات الاستراتيجية الايرانية تعاون قوي مع سورياعلى الرغم من أن الحكومة السورية العلمانية وتتبع الطائفة العلوية التي هم طائفة شيعية متطرفة في عقيدتها وبعيدة عن الإسلام  ، لكن تحالف ايران مع حكومة بشار الأكثر مرونة في الشرق الاوسط بسبب المصالح المشتركة طويلة الأجل .

ترى إيران سوريا حليفا يمكن الوثوق به في المنطقة والتي يمكن أن يقدم الدعم الاستراتيجي لمواجهة أي عدوان عسكري إسرائيلي محتمل وللتأثير على التطورات في لبنان وفلسطين وربما في شرق البحر المتوسط كله ، علاوة على ذلك خلال الحرب العراقية الإيرانية كانت إيران معزولة عن الدول العربية الأخرى وكانت سوريا الحليف العربي الوحيد إلى جانبها ، هذا الموقف ليس مجرد نتيجة للتعاطف بين الشيعة والعلويين ، لكن في الواقع لدى إيران وسوريا تحالف استراتيجي طويل الأمد ، ويرجع ذلك جزئيًا إلى عداءهما المشترك تجاه صدام حسين ، كما أتاح الحفاظ على تحالف كبير مع سوريا لتوفير طريق أمن لشحن البضائع التجارية والعسكرية والتي أصبحت ذات أهمية ، خاصة بعد العقوبات المفروضة على طهران في عام 2011م .

كما استفادت إيران من تحالفها مع سوريا لدخول الأسواق الدولية ، في فبراير عام 2013م وقعت إيران والعراق وسوريا اتفاقًا بشأن إنشاء خط أنابيب للغاز يتم من خلاله نقل الغاز الطبيعي الإيراني عبر العراق إلى سوريا وبيعه في الأسواق الأوروبية ، تعتبر إيران سوريا امتداداً استراتيجياً لا تستطيع خسارته ، هذا هو السبب في أن مجريات الأحداث في سوريا ونتائج الأزمات أصبحت مهمة للغاية بالنسبة لطهران ، إذا انهار التحالف الإيراني - السوري فسوف ينهار نفوذ الجمهورية الإسلامية وسلطتها في المنطقة ولن تتمكن إيران بعد الآن من تهديد إسرائيل والمملكة العربية السعودية وحلفائها .

لمواجهة تحالفات المحور الإيراني ، سعت المملكة العربية السعودية إلى تعزيز التعاون مع دول الخليج ، ومع ذلك فإن تطلعات السعودية للقيادة في الجزء الجنوبي من الخليج لم تلق استجابة إيجابية من دول الخليج الأخرى بسبب الخلافات العسكرية والنقدية ، ومع تدهور العلاقات مع إيران سعت المملكة العربية السعودية إلى إقامة تحالفات جديدة في المنطقة مع تركيا ومصر والدول الإفريقية المجاورة .

المملكة العربية السعودية وإيران تعتبران بعضهما البعض تهديدا للأخر ، ترى المملكة العربية السعودية أن إيران تحاول قلب النظام السياسي في الشرق الأوسط ليأتى أخر يناسب مصالحها ؛ بينما يعتقد الإيرانيون أن المملكة السعودية تعمل على إبقاء إيران عرضة للخطر ، وبالتالي فإن القوتين تقعان في مأزق أمني ، نظرًا لأن أحدهما يزيد من الإنفاق الدفاعي أو يدعم نزاعًا وكيلًا إقليميًا لحماية نفسه من تهديد محتمل ، يرى الآخر أن هذا الإجراء الدفاعي يمثل تهديدًا ويتفاعل وفقًا لذلك ، ويشعر كلاهما بأنه مضطر لاتخاذ إجراءات لضمان سلامتهما وينتهي بهما الأمر إلى تخويف نظرائهما عن طريق زيادة احتمال نشوب صراعات في المستقبل. السعوديون والإيرانيون يطبقون استراتيجيات سياسية صفرية .

 كلما ظهرت إيران أكثر قوة كلما كان السعوديون أكثر عرضة للخطر والعكس صحيح ، تعتبر المملكة العربية السعودية المساعدات الإيرانية للحوثيين في اليمن محاولة لإثارة الفوضى على الحدود السعودية المجاورة ، في هذه الأثناء ترى إيران دعم المملكة العربية السعودية للمتمردين في سوريا كوسيلة لحرمانها من حليف مهم وتحيطها بأنظمة عدوانية ، كان أفضل رد من المملكة العربية السعودية هو قصف الحوثيين في اليمن بينما أرسلت إيران مزيدًا من القوات والمستشارين العسكريين إلى سوريا .

نتيجة للخوف المستمر في السنوات الأخيرة انخرطت المملكة العربية السعودية وإيران بشكل متزايد في سلسلة من النزاعات بالوكالة حيث أتاحت التحولات السياسية للنظم في المنطقة الفرصة لهاتين القوتين للتنافس على النفوذ ، كانت لإيران والمملكة العربية السعودية أهدافها لإبراز قوتهما الناعمة في المنطقة .

وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء العاشر