إن تاريخ إيران بالتأكيد لا يبدأ في عام 1979م ، لكن الثورة هى جزء أساسي الآن لا غنى عنه من تاريخ وهوية إيران .
يبدأ الطريق الطويل إلى الثورة منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي مع انقلاب على مصدق وبداية سياسة منهجية لقمع كل أصوات المعارضة ضد الشاه ، في تلك السنوات تم القضاء على جميع المنظمات السلمية والحركات الشعبية بما في ذلك النقابات ، نفس "الثورة البيضاء" في أوائل الستينيات والتي كانت تهدف إلى تحديث البلاد كانت في الحقيقة مصحوبة بسياسة قمعية متنامية من جانب بهلوي ، كان شعار طلاب جامعة طهران الذين يحتجون على الشاه هو بالضبط "نعم للإصلاح الزراعي ، لا لديكتاتورية الشاه" ، وفي 3 يونيو عام 1963م قام روح الله الخميني في خطبة أقيمت في مدينة قم المقدسة بشن هجوم على الشاه ووصف نظامه بالنظام الاستبدادي عدو الإسلام ، ومن توابع هذه الخطبة العصماء تلتها اشتباكات واضطرابات شديدة اعتبرها الكثيرون هي بروفة لثورة عام 1979م .كانت الأسباب التي أدت إلى قيام الثورة الخمينية ان الشاه شخصية ديكتاتورية لحاكم كان يعتقد أنه الله على الأرض ، كانت الثورة البيضاء بالنسبة لنا شيء يفرض من قبل السلطة وقد تم نفى كل صوت معارض ، كذلك الشعور الواسع النطاق بالسخط الشديد بين الشعب الذي دفع العديد من الإيرانيين إلى مغادرة البلاد .
لا يمكن إنكار أنه في السنوات بين 1963 الى 1977 شهدت البلاد تطورا اقتصاديا كبيرا وتحقيق تنمية اقتصادية كبرى ، ويرجع ذلك قبل كل شيء إلى عائدات تصدير النفط التي أصبحت ذات أهمية متزايدة في الاقتصاد الإيراني ، في تلك السنوات حتى الزي خضع للتبديل والتغيير فعلى سبيل المثال الملابس تحولت بشكل حاسم الملابس نحو الشرائع الغربية لتحل إلى حد كبير محل الملابس التقليدية ، أدت الثورة البيضاء أيضا إلى نمو كبير فى التعليم وهو تأثير من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية على الشاه على وجه التحديد بفضل زيادة وعى الجماهير الطلابية التي ستعارض سياساته .
لكن عام 1971 هو العام الذي يصادف انفصال الشاه النهائي عن الشعب الإيراني وذلك بسبب سلسلة من الأحداث التي أبعدت الشاه بشكل متزايد عن الواقع اليومي لشعبه ، الاحتفالات الفخمة بمناسبة مرور 2500 عام من الحكم الملكي لإيران ، مع التفاخر بالرفاهية الجامحة التي أحرجت حتى الضيوف الأجانب العديدين والتي دفعت الملكة إليزابيث الثانية وريتشارد نيكسون إلى رفض الدعوة ، كان الشعب غائب تماما عن هذه المأدبة الرائعة .
في عام 1977م بدأت الأصوات بالإرتفاع عن وجود معارضة واسعة النطاق في المجتمع المدني الإيراني بقلق واضح ليس فقط لحالة حقوق الإنسان ولكن أيضا بسبب الركود الاقتصادي وعدم وجود آفاق للأجيال الشابة ، الركود الناجم عن الشاه لتهدئة انتج تضخم ذات تأثير كارثي على المجتمع الإيراني ، وكان لقطاع البناء والتشييد دورا أساسيا في الأزمة الاقتصادية ومن ثم الاجتماعية ، انتشرت الإضرابات والمظاهرات في جميع أنحاء البلاد بما في ذلك إشراك الجماهير العاملة في الاحتجاج على الشاه وتوعية الشعب لكي يدرك أنه لم يكن من الممكن التغلب على الأزمة بطريقة معتدلة من خلال الإصلاح التدريجي بل على العكس كانت الثورة هي الطريق الوحيد للمضي بالبلاد قدما وكان صوت الخميني القادر وحده فقط على جمع توافق الآراء اللازم لتكوين القدرة على تنفيذ الثورة .
وقامت الثورة التي على اثارها غادر الشاه البلاد في طريقه إلى مصر في 16 يناير 1979م ، وفي 1 فبراير بعد ستة عشر عاما من المنفى عاد الخميني إلى بلاده ، وبعد بضعة أيام تم إنشاء الحزب الجمهوري الإسلامي الذي فرض نفسه على أنه زعيم بلا منازع للثورة وفرضت الطبقة الحاكمة الجديدة في البلاد قواعد جديدة للتعايش ، وتجدر الإشارة إلى إعلان الخميني إلغاء قانون الأسرة الذي صدر في عام 1967م وإنه أعاد تعدد الزوجات وأصبح الأمر أكثر تعقيدا بالنسبة للمرأة للحصول على الطلاق .
في 3 مارس تم اعلان حظر تولى النساء مهنة القاضي ، وفي السادس من مارس أعلن الخميني الحجاب الإلزامي في مكان العمل ، وفى يوم 8 مارس وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة هتف الآلاف من المتظاهرين في طهران مطالبة الحكومة بازركان إلى إلغاء هذا الإجراء ومع ذلك يجب التأكيد على أن نفس النظام الذي يفرض الحجاب ويميز ضد المرأة من الناحية القانونية يضمن لجميع النساء الحق الكامل في الدراسة وبالتالي ضمان التحرر الفعلي ، البلد في يد الخميني الذي يبدأ عملية تطهير جذرية حيث تم إعدام الآلاف من الموالين السابقين للشاه في البلاد ، في نهاية شهر مارس تم إعلان الجمهورية الإسلامية بموافقة نسبة 99.31٪ من الأصوات .
الفصل التالي في التاريخ الإيراني يتميز بما يسمى الحرب المفروضة ، مثل تلك الحرب ضد العراق التي انفجرت في أعقاب الغزو الذي قام به صدام حسين ، ثماني سنوات طويلة استنفدت الشعب الإيراني وانتهت بعدم النصر ولكن قبل كل شيء بعدم اعتراف النظام الدولي بحقيقة أن العراق هو الذي بدأ الأعمال العدائية وأن إيران كانت في الواقع بلدا تم مهاجمتها ، وهكذا كانت حالة العزلة الدولية التي سقطت فيها إيران ما بعد الثورة .
وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية الى الجزء الثاني